سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

227

الإكسير في علم التفسير

النوع الثاني : ما ليس بإعادة اسم ولا صفة ، كقوله تعالى إخبارا عن حبيب « 1 » رجل يس وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي إلى قوله : فَاسْمَعُونِ « 2 » كأن قائلا قال : فما كان جزاء هذا الرجل مع جوده بنفسه في طاعة ربه ؟ فقال : قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ثم كأن السّائل سأل ، فقال : مجرد دخول الجنة لا يلقى مثل هذا ، إذ من يعمل دون عمله يدخلها ، فبم اختصّ عن غيره ؟ فقال : قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي أي : رأى من الإكرام ما تمنّى معه أن يعلم قومه بحاله فيفعلون كفعله ؛ ليحصل لهم ما حصل له . ومنه قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام أنه قال : يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ ( سَوْفَ ) تَعْلَمُونَ « 3 » كأنه قال : اعملوا إني عامل ، قالوا له : وما يكون إذا كنت عاملا ؟ قال لهم : سوف تعلمون ما يكون . وقد جاء في القرآن : « فسوف تعلمون » بالفاء ، وهو وصل ظاهر ، والأولى وصل خفي باستئناف ظاهر ، وهو أبلغ الوصلين ؛ لتضمنه من جهتين . قال ابن الأثير « 4 » : وأما الوصل في هذه الآية ونظائرها ، تارة بالفاء ، وتارة بالاستئناف تفنّنا في البلاغة على عادة العرب في تفننها . قلت : ويمكن أن يقال : إن شعيبا عليه السلام لما كثرت مراجعة قومه له على ما حكي عنه في سورة هود ، ناسب اختصاص قصته الاستئناف الذي هو أبلغ من الانذار والوعيد ، لكن يرد على هذا أن قريشا كانت أشد مجادلة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم من سائر الأمم لأنبيائها ، ولما قال لهم هذا الكلام قاله بالفاء . ويمكن الجواب عنه بوجوه :

--> ( 1 ) يقصد بذلك حبيب النجار انظر ص 180 . ( 2 ) سورة يس الآية 22 - 27 وتمام الآيات « أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ » . ( 3 ) سورة الزمر الآية 39 . ( 4 ) الجامع الكبير ص 139 .